استقلال القضاء حق كل المصريين

الشّرف

محمد حسام الدين الغرياني

كان متوقَّعا بقدر ما كان مفاجئا: اجتذبت وقفة القضاة رجال القضاء من كل أنحاء البلاد؛ أغلبهم من الشباب ‏و الغاضبين، بأوشحتهم الحمر و الخضر واقفين بِهيبتهم و وقارهم ساعة من الاحتجاج الصَّامت على درجات ‏و سُلَّم شرفة فيلا بولكلي الشامخة مقرِّ نادي قضاة الإسكندرية. ما كان متوقعا هو أن تشعل المناورات الأخيرة ‏للحكومة الغضب، مُزيدة من تصلُّب المعتدلين و محفزة المترددين، لكن المحصِّلة النهائية كانت مفاجئة.‏

قبل استهداف القضاة الأربعة الأسبوع السَّابق كان المنظمون يسعون إلى اجتذاب 50 قاضيا على الأكثر؛ ‏فحضر 400؛ أكثر من نصفهم لم يأتوا من القاهرة و الإسكندرية بل من المنصورة، و الزقازيق و الصَّعيد. ألقوا ‏خطبا بليغة تضامنا مع كبرائهم المعتدى عليهم. هؤلاء الشباب الذين كانوا صامتين حتى وقت قريب، و بدعم ‏و مساندة مُعلميهم و بخبراتِهم الشخصية، هم من سيكون على السلطة التنفيذية مجابَهتهم الآن و لسنوات ‏قادمة.‏

بالرغم من أنه لم يكن من الأربعة الذين أسيء إليهم، فقد استمالت القضاةَ كلمات رجل بارز و محبوب من ‏شيوخ القضاة، لاقت كلمته المباشرة وليدة اللحظة يوم الجمعة استحسانا عارما بل و دموعا؛ هو المحترم محمد ‏حسام الدين الغرياني (في الصورة أعلاه). كان الاحتجاج الرزين فكرتَه لأجل إرسال إشارة واضحة أن نشاط ‏القضاة لن يخمد الآن بعد أن انتهت الانتخابات؛ على العكس فإنه سيعود إلى مساره الأصلي و للغاية التي طالما ‏تحرك من أجلها القضاة: قانون جديد يكفل استقلالهم. الغرياني شخص محوريٌّ في هذه المعركة، فمنذ ثلاث ‏سنوات كانت المواجهة بينه و بين مجلس القضاء الأعلى سببا في استنفار القضاة من أجل التحرُّك، و في الحقيقة ‏فإن تلك المواجهة كانت دائما تُظلِّل و تلهب الأحداث الحالية، حيث أدَّت الضَّربات الوقائية التي قُصد بِها شلُّ ‏الحركة الجمعية إلى عكس النتائج المرجوة منها تماما. فبالنسبة للقضاة دائما كانت نزاهة الانتخابات شاغلا ‏مهما، لكن الاستقلاليّة هي الفيصل. هيّا نحلل:‏

قشّات في مهبِّ الريح

بدأت القصّة بانتخابات سنة 2000 عندما طعن مرشَّحان في نتائج الانتخابات في دائرة الزيتون في شرق القاهرة ‏أمام محكمة النَّقض. في 12 مايو 2003 قضت المحكمة برئاسة الغرياني لصالح المدَّعين دافعة بأنه لكون 49 من ‏اللجان الفرعية لم يشرف عليها قضاة فإن النتيجة المعلنة تكون باطلة. كان هذا الحكم كمئات غيره لكن مع ‏اختلاف هام: أن الخصم في هذه الدائرة لم يكن غير زكريّا عزمي رئيس ديوان حسني مبارك. و بالرغم من هذا فإن ‏الدستور يترك لمجلس الشَّعب أن يقرِّر ما إذا كان سيطبِّق هذه الأحكام أم لا، لذلك كانت المسألة محسومة سلفا إلى ‏حدٍّ كبير؛ إلى أن تدَّخل رئيس محكمة النقض فتحي خليفة؛ ففي أغسطس أصدر مذكِّرة مكتوبة ينتقد فيها الحكم، ‏و هو إجراء غير معتاد أبدا في العرف القضائيّ و مكروه. فمن المبادئ الرّاسخة أن القضاة الجالسين في محكمة ‏النَّقض غير خاضعين للتوجيهات ممن يعلونَهم في الهيكل القضائي فيما يتعلَّق بأحكامهم؛ فأثارت مذكِّرة خليفة استياءً ‏بالغا.‏

بعد ذلك بشهر، في سبتمبر، خلال عطلة مجلس الشعب، زادَ مرسوم رئاسي سنَّ تقاعد القضاة من 66 عاما إلى 68، ‏مخالفا للإجماع بين القضاة أن إطالة مدَّة الخدمة له تداعيات سلبية مهنيا و سياسيا. فمهنيا، وجود كيان مسيطر ‏و جامد في قمة الهيكل القضائي يخنق ترقي و تطوُّر الطاقات و الكوادر و يرسِّخ الجمود الفكريَّ؛ أما سياسيّا فإنه ‏يزيد من خطر تكوُّن جيوب موالية للحكومة تراعي الجهات الإدارية في عملها و تتأثر بتوجيهاتِها فيطمس ذلك ‏حكمهم الموضوعيَّ المهنيَّ. تعقَّدت المسألة بعد ذلك بشهر عندما تدخَّل مجلس القضاء الأعلى الذي يرأسه خليفة في ‏خلاف بين نادي القضاة و قاض متقاعد يطمح إلى عضوية النادي، فأصدر المجلس قرارا يقضي بأن نادي القضاة ‏يدخل تحت حاكميَّته.‏

حفَّزت التوتُّرات المتزايدة القضاة على التَّحرك، فاجتمعوا في 17 أكتوبر 2003 في نادي القضاة للتَّباحث فيما ‏اعتبروه استفزازا متزايدا و تدخلا من مجلس القضاء الأعلى، و من العجيب أن خليفة كان حاضرا الاجتماع بصفته ‏المتقلِّد للمنصب الشرفي ‏‎‎رئيس الجمعية العمومية‎‏ حسب لائحة النادي. كان الموضوعان الأهمُّ هما زيادة سن ‏التقاعد و علاقة النادي بالمجلس. أطلق القاضي أحمد مكي هجوما حاميا على مجلس القضاء الأعلى داعيه ‏‎‎مجلسا ‏مُعيَّنا و أصبح من الحكّام‎‎‏. في تلك اللحظة، وثب خليفة من مقعده و زمجر ثائرا، ليتعثر و يسقط أثناء مغادرته ‏الاجتماع، و منذ ذلك اليوم لم تطأ قدمه مقر نادي القضاة.‏

دون أن يبالوا بما حدث، تابع الحاضرون نقاشهم و رفضهم لأي إشراف على النادي من أي جهة، بما فيها مجلس ‏القضاء الأعلى. ألقى الغرياني خطابا رائعا عن الاستقلالية المطلقة للجمعية العمومية للنادي، التي لا تخضع سوى ‏‎‎لصندوق الانتخاب المعمول من زجاج‎، و خاطب أعضاء مجلس القضاء الأعلى قائلا: ‏‎‎أنتم الشيوخ…و أنتم على عيننا و راسنا…لكن لا تقحموا أنفسكم في هذه الأمور…و لا تستمدوا لكم ‏اختصاصات لم يسبغها عليكم القانون…يا ريت…يا ريت…اختصاصاتكم الِّ في القانون تؤدوها لنا على النحو ‏الِّ يرضينا‏‎‎‏. بعد ‏ذلك بأحد عشر يوما، في 28 أكتوبر أصدر مجلس القضاء الأعلى قرارا وقَّعه خليفة يقضي بأن أي تعليقات على ‏قرارات المجلس تصدر ‎بوجه غير لائق‎‏ هي مخالفة لقانون السُّلطة القضائية و لذا تُعرِّض القضاة للمساءلة ‏التأديبية. لكن النزاع لم ينته عند هذا الحد.‏

القشَّة الأخيرة

يوم 12 يناير 2004 أشار مجلس القضاء الأعلى إلى كلٍّ من الغرياني و مكي تحديدا، مطالبا كلا منهما بتقديم تفسير ‏مكتوب لما دعاهما إلى ما قالاه و فعلاه. فردَّ كل منهما باستفاضة موضحا المخالفات الإجرائية التي ارتكبها خليفة ‏بمطالبته هذه، و في 28 يناير ردَّ المجلس عليهما كتابيا أنه ‏‎‎و إزاء ما بدر منكم غير مسبوق في تاريخ القضاء، و حرصا على ألا يشيع أو يتكرر، و عملا بالمادة 94 من قانون ‏السلطة القضائية ننبِّهكم إلى عدم التردِّي في ذلك مستقبلا‏‎‏.‏

كانت تلك القشَّة التي قسمت ظهر البعير و تتمَّة سلسلة طويلة من الإساءات. تحذيرُ خليفة باطش اللهجة وصمه ‏بأنه قاضٍ موالٍ للنظام يرأس مؤسَّسة تحت السَّيطرة شبه الكاملة للسُّلطة التنفيذية هدفها إسكات القضاة المستقِّلين ‏الإصلاحيين. لكن هذه المرَّة أيضا كانت السُّلطة التنفيذية قد أخطأت الحساب، ظانّين أن استهداف قاضيين بارزين ‏سيسكت الباقين؛ لكنه تسبب في العكس تماما، فقد استقرَّ في يقين القضاة أن عليهم النهوض من أجل كرامة ‏زملائهم و الاقتصاص من مجلس القضاء الأعلى.‏

من اليمين: محمود الخضيري جالسا، و أحمد مكي و حسام الغرياني واقفين

يوم 12 مارس 2004 توافد القضاة إلى ناديهم لحضور الجمعيّة العموميّة غير العادية الذي بدأ كل هذه الأحداث. ‏الغرياني و مكي غلبهما التَّضامن الغامر من أقرانِهما الذين صفقوا لهما لدقائق طوال (الصورة أعلاه)، و ألقى القاضي ‏السَّكندريُّ غير الشهير آنذاك، محمود الخضيري (الجالس في الصورة) خطابا ملهما في ذلك اليوم دفع به فيما بعد إلى ‏أقصى درجات الأهمِّية الوطنيّة.‏

في أبريل 2004 فاز الخضيري في انتخابات رئاسة نادي قضاة الإسكندرية بفارق صوتين بالعدد، متغلِّبا على منافسه عزَّت عجوة ‏الموالي المزمن للنِّظام. بعد ذلك التاريخ بعام بالضَّبط انعقد اجتماع الجمعيّة العموميّة لنادي قضاة ‏الإسكندريَّة الذي أجَّج التحرك القضائي من أجل الإشراف الكامل على الانتخابات و كانت هذه المرَّة الأولى التي ‏يلوِّح فيها القضاة بفكرة مقاطعة الانتخابات. في ذلك الاجتماع ارتدى القاضي طارق الطويل وشاحه و قاد رفاقه في ‏قسم من وحي اللحظة أن يبقوا مستقلّين و متيقِّظين لكل محاولات تزوير الانتخابات. القاضي محمود أبو شوشة قصَّ ‏حكاية مؤثرة عن تجربته في انتخابات عام 2000، و قال القاضي حسام الغرياني ‏‎”‎نريد قضاء مستقلا فعلا يستطيع أن ‏يحمي الحريّات و حقوق الإنسان، و أول هذه الحقوق الحقُّ في أن لا تُزوَّر إرادة الناخب بتزوير الانتخابات.‏‎ “‎‏ بعدها ‏ببضعة أيام أصدر مجلس القضاء الأعلى واحدًا من تصريحاته العرجاء مُركِّزا على أن القضاة يجب أن يبقوا ‏‎‎بعيدين ‏عن العمل السياسي‎‎‏.‏

التَّعلُّق بقشَّة؟

لو أن أحداث السَّنوات الأخيرة مما يُعتد به فإن أفعال الحكومة و مجلس القضاء الأعلى لن ينتج عنها سوى توحيد ‏صفوف القضاة الإصلاحيِّين و تعزيز إصرارهم على قانون جديد. تواترات عن زيادة أخرى في سن التقاعد حتى 72 ‏عاما أجَّجت غضبا جديدا، و كل استفزاز آخر سيزيد صحَّة الشكوك في نيّة الهجوم الشَّامل على القضاء و أنه ليس ‏مجرد تحرش ببضع قضاة مُفوَّهين. قرار وزير العدل الأخير بقطع 10½ مليون دولار 1 ‏ هي كل الدَّعم السَّنوي المخصَّص ‏لنوادي القضاة في كلِّ أنحاء البلاد سيعمِّق هذه الشكوك أكثر فأكثر. ما يحيرني هو ما هي بالضبط الإستراتيجية التي ‏تظنُّ الحكومة و سدنتها القانونيين أنَّهم متبعيها، لأنه على مرِّ السَّنوات الثلاث الأخيرة على الأقل كان كلُّ تحرك من ‏تحرُّكاتِهم غير المحسوبة تبعث تحركات مضادة تحبط خططهم. ألا يستطيعون إدارة هذه الصيرورة الرَّهيفة بقدر أكبر ‏من الحنكة؟ أو ببعض من التعقل و التفكير؟ لكنَّ هذا السَّيل غير المنقطع من إساءة التقدير و التَّخبُّط هو أمر ‏مذهل! أتحرق شوقا في انتظار اجتماع الجمعية العمومية التّالي يوم 17 مارس الذي أتوقَّع أن يكون محفزِّا كسابقيه ‏في العامين الماضيين و أكثر قليلا.‏

- بهيّة

  1. 1. ‏ الخبر من موقع وكالة رويترز بتاريخ 20 فبراير 2006 بعنوان ‏‎EGYPT: Defiant judges charged with ‘defamation’‎‏ ‏http://www.alertnet.org/thenews/newsdesk/IRIN/ec64bb0f90acac037b65a88b44ae1cfd.htm.

هذه المقالة نشرت بالإنجليزية بعنوان ‏Honour‏ في موقع بهيَّة ‏Baheyya: Egypt Analysis and Whimsy‏ يوم الأربعاء ‏‎22 فبراير 2006، و تُرجمت ‏بتصريح من المؤلفة، و الأصل منها موجود في ‏http://baheyya.blogspot.com/2006/02/honour.html

جميع الحقوق للمقالة الأصلية و للترجمة محفوظة لبهيّة.

بهيّة ‏‎ 2005-2006 by Baheyya‏©‏

Valid XHTML	1.0 Strict