
كان متوقَّعا بقدر ما كان مفاجئا: اجتذبت وقفة القضاة رجال القضاء من كل أنحاء البلاد؛ أغلبهم من الشباب و الغاضبين، بأوشحتهم الحمر و الخضر واقفين بِهيبتهم و وقارهم ساعة من الاحتجاج الصَّامت على درجات و سُلَّم شرفة فيلا بولكلي الشامخة مقرِّ نادي قضاة الإسكندرية. ما كان متوقعا هو أن تشعل المناورات الأخيرة للحكومة الغضب، مُزيدة من تصلُّب المعتدلين و محفزة المترددين، لكن المحصِّلة النهائية كانت مفاجئة.
قبل استهداف القضاة الأربعة الأسبوع السَّابق كان المنظمون يسعون إلى اجتذاب 50 قاضيا على الأكثر؛ فحضر 400؛ أكثر من نصفهم لم يأتوا من القاهرة و الإسكندرية بل من المنصورة، و الزقازيق و الصَّعيد. ألقوا خطبا بليغة تضامنا مع كبرائهم المعتدى عليهم. هؤلاء الشباب الذين كانوا صامتين حتى وقت قريب، و بدعم و مساندة مُعلميهم و بخبراتِهم الشخصية، هم من سيكون على السلطة التنفيذية مجابَهتهم الآن و لسنوات قادمة.
بالرغم من أنه لم يكن من الأربعة الذين أسيء إليهم، فقد استمالت القضاةَ كلمات رجل بارز و محبوب من شيوخ القضاة، لاقت كلمته المباشرة وليدة اللحظة يوم الجمعة استحسانا عارما بل و دموعا؛ هو المحترم محمد حسام الدين الغرياني (في الصورة أعلاه). كان الاحتجاج الرزين فكرتَه لأجل إرسال إشارة واضحة أن نشاط القضاة لن يخمد الآن بعد أن انتهت الانتخابات؛ على العكس فإنه سيعود إلى مساره الأصلي و للغاية التي طالما تحرك من أجلها القضاة: قانون جديد يكفل استقلالهم. الغرياني شخص محوريٌّ في هذه المعركة، فمنذ ثلاث سنوات كانت المواجهة بينه و بين مجلس القضاء الأعلى سببا في استنفار القضاة من أجل التحرُّك، و في الحقيقة فإن تلك المواجهة كانت دائما تُظلِّل و تلهب الأحداث الحالية، حيث أدَّت الضَّربات الوقائية التي قُصد بِها شلُّ الحركة الجمعية إلى عكس النتائج المرجوة منها تماما. فبالنسبة للقضاة دائما كانت نزاهة الانتخابات شاغلا مهما، لكن الاستقلاليّة هي الفيصل. هيّا نحلل:
بدأت القصّة بانتخابات سنة 2000 عندما طعن مرشَّحان في نتائج الانتخابات في دائرة الزيتون في شرق القاهرة أمام محكمة النَّقض. في 12 مايو 2003 قضت المحكمة برئاسة الغرياني لصالح المدَّعين دافعة بأنه لكون 49 من اللجان الفرعية لم يشرف عليها قضاة فإن النتيجة المعلنة تكون باطلة. كان هذا الحكم كمئات غيره لكن مع اختلاف هام: أن الخصم في هذه الدائرة لم يكن غير زكريّا عزمي رئيس ديوان حسني مبارك. و بالرغم من هذا فإن الدستور يترك لمجلس الشَّعب أن يقرِّر ما إذا كان سيطبِّق هذه الأحكام أم لا، لذلك كانت المسألة محسومة سلفا إلى حدٍّ كبير؛ إلى أن تدَّخل رئيس محكمة النقض فتحي خليفة؛ ففي أغسطس أصدر مذكِّرة مكتوبة ينتقد فيها الحكم، و هو إجراء غير معتاد أبدا في العرف القضائيّ و مكروه. فمن المبادئ الرّاسخة أن القضاة الجالسين في محكمة النَّقض غير خاضعين للتوجيهات ممن يعلونَهم في الهيكل القضائي فيما يتعلَّق بأحكامهم؛ فأثارت مذكِّرة خليفة استياءً بالغا.
بعد ذلك بشهر، في سبتمبر، خلال عطلة مجلس الشعب، زادَ مرسوم رئاسي سنَّ تقاعد القضاة من 66 عاما إلى 68، مخالفا للإجماع بين القضاة أن إطالة مدَّة الخدمة له تداعيات سلبية مهنيا و سياسيا. فمهنيا، وجود كيان مسيطر و جامد في قمة الهيكل القضائي يخنق ترقي و تطوُّر الطاقات و الكوادر و يرسِّخ الجمود الفكريَّ؛ أما سياسيّا فإنه يزيد من خطر تكوُّن جيوب موالية للحكومة تراعي الجهات الإدارية في عملها و تتأثر بتوجيهاتِها فيطمس ذلك حكمهم الموضوعيَّ المهنيَّ. تعقَّدت المسألة بعد ذلك بشهر عندما تدخَّل مجلس القضاء الأعلى الذي يرأسه خليفة في خلاف بين نادي القضاة و قاض متقاعد يطمح إلى عضوية النادي، فأصدر المجلس قرارا يقضي بأن نادي القضاة يدخل تحت حاكميَّته.
حفَّزت التوتُّرات المتزايدة القضاة على التَّحرك، فاجتمعوا في 17 أكتوبر 2003 في نادي القضاة للتَّباحث فيما اعتبروه استفزازا متزايدا و تدخلا من مجلس القضاء الأعلى، و من العجيب أن خليفة كان حاضرا الاجتماع بصفته المتقلِّد للمنصب الشرفي رئيس الجمعية العمومية
حسب لائحة النادي. كان الموضوعان الأهمُّ هما زيادة سن التقاعد و علاقة النادي بالمجلس. أطلق القاضي أحمد مكي هجوما حاميا على مجلس القضاء الأعلى داعيه مجلسا مُعيَّنا و أصبح من الحكّام
. في تلك اللحظة، وثب خليفة من مقعده و زمجر ثائرا، ليتعثر و يسقط أثناء مغادرته الاجتماع، و منذ ذلك اليوم لم تطأ قدمه مقر نادي القضاة.
دون أن يبالوا بما حدث، تابع الحاضرون نقاشهم و رفضهم لأي إشراف على النادي من أي جهة، بما فيها مجلس القضاء الأعلى. ألقى الغرياني خطابا رائعا عن الاستقلالية المطلقة للجمعية العمومية للنادي، التي لا تخضع سوى لصندوق الانتخاب المعمول من زجاج
، و خاطب أعضاء مجلس القضاء الأعلى قائلا: أنتم الشيوخ…و أنتم على عيننا و راسنا…لكن لا تقحموا أنفسكم في هذه الأمور…و لا تستمدوا لكم اختصاصات لم يسبغها عليكم القانون…يا ريت…يا ريت…اختصاصاتكم الِّ في القانون تؤدوها لنا على النحو الِّ يرضينا
. بعد ذلك بأحد عشر يوما، في 28 أكتوبر أصدر مجلس القضاء الأعلى قرارا وقَّعه خليفة يقضي بأن أي تعليقات على قرارات المجلس تصدر بوجه غير لائق
هي مخالفة لقانون السُّلطة القضائية و لذا تُعرِّض القضاة للمساءلة التأديبية. لكن النزاع لم ينته عند هذا الحد.
يوم 12 يناير 2004 أشار مجلس القضاء الأعلى إلى كلٍّ من الغرياني و مكي تحديدا، مطالبا كلا منهما بتقديم تفسير مكتوب لما دعاهما إلى ما قالاه و فعلاه. فردَّ كل منهما باستفاضة موضحا المخالفات الإجرائية التي ارتكبها خليفة بمطالبته هذه، و في 28 يناير ردَّ المجلس عليهما كتابيا أنه و إزاء ما بدر منكم غير مسبوق في تاريخ القضاء، و حرصا على ألا يشيع أو يتكرر، و عملا بالمادة 94 من قانون السلطة القضائية ننبِّهكم إلى عدم التردِّي في ذلك مستقبلا
.
كانت تلك القشَّة التي قسمت ظهر البعير و تتمَّة سلسلة طويلة من الإساءات. تحذيرُ خليفة باطش اللهجة وصمه بأنه قاضٍ موالٍ للنظام يرأس مؤسَّسة تحت السَّيطرة شبه الكاملة للسُّلطة التنفيذية هدفها إسكات القضاة المستقِّلين الإصلاحيين. لكن هذه المرَّة أيضا كانت السُّلطة التنفيذية قد أخطأت الحساب، ظانّين أن استهداف قاضيين بارزين سيسكت الباقين؛ لكنه تسبب في العكس تماما، فقد استقرَّ في يقين القضاة أن عليهم النهوض من أجل كرامة زملائهم و الاقتصاص من مجلس القضاء الأعلى.

يوم 12 مارس 2004 توافد القضاة إلى ناديهم لحضور الجمعيّة العموميّة غير العادية الذي بدأ كل هذه الأحداث. الغرياني و مكي غلبهما التَّضامن الغامر من أقرانِهما الذين صفقوا لهما لدقائق طوال (الصورة أعلاه)، و ألقى القاضي السَّكندريُّ غير الشهير آنذاك، محمود الخضيري (الجالس في الصورة) خطابا ملهما في ذلك اليوم دفع به فيما بعد إلى أقصى درجات الأهمِّية الوطنيّة.
في أبريل 2004 فاز الخضيري في انتخابات رئاسة نادي قضاة الإسكندرية بفارق صوتين بالعدد، متغلِّبا على منافسه عزَّت عجوة الموالي المزمن للنِّظام. بعد ذلك التاريخ بعام بالضَّبط انعقد اجتماع الجمعيّة العموميّة لنادي قضاة الإسكندريَّة الذي أجَّج التحرك القضائي من أجل الإشراف الكامل على الانتخابات و كانت هذه المرَّة الأولى التي يلوِّح فيها القضاة بفكرة مقاطعة الانتخابات. في ذلك الاجتماع ارتدى القاضي طارق الطويل وشاحه و قاد رفاقه في قسم من وحي اللحظة أن يبقوا مستقلّين و متيقِّظين لكل محاولات تزوير الانتخابات. القاضي محمود أبو شوشة قصَّ حكاية مؤثرة عن تجربته في انتخابات عام 2000، و قال القاضي حسام الغرياني ”نريد قضاء مستقلا فعلا يستطيع أن يحمي الحريّات و حقوق الإنسان، و أول هذه الحقوق الحقُّ في أن لا تُزوَّر إرادة الناخب بتزوير الانتخابات. “ بعدها ببضعة أيام أصدر مجلس القضاء الأعلى واحدًا من تصريحاته العرجاء مُركِّزا على أن القضاة يجب أن يبقوا بعيدين عن العمل السياسي
.
لو أن أحداث السَّنوات الأخيرة مما يُعتد به فإن أفعال الحكومة و مجلس القضاء الأعلى لن ينتج عنها سوى توحيد صفوف القضاة الإصلاحيِّين و تعزيز إصرارهم على قانون جديد. تواترات عن زيادة أخرى في سن التقاعد حتى 72 عاما أجَّجت غضبا جديدا، و كل استفزاز آخر سيزيد صحَّة الشكوك في نيّة الهجوم الشَّامل على القضاء و أنه ليس مجرد تحرش ببضع قضاة مُفوَّهين. قرار وزير العدل الأخير بقطع 10½ مليون دولار 1 هي كل الدَّعم السَّنوي المخصَّص لنوادي القضاة في كلِّ أنحاء البلاد سيعمِّق هذه الشكوك أكثر فأكثر. ما يحيرني هو ما هي بالضبط الإستراتيجية التي تظنُّ الحكومة و سدنتها القانونيين أنَّهم متبعيها، لأنه على مرِّ السَّنوات الثلاث الأخيرة على الأقل كان كلُّ تحرك من تحرُّكاتِهم غير المحسوبة تبعث تحركات مضادة تحبط خططهم. ألا يستطيعون إدارة هذه الصيرورة الرَّهيفة بقدر أكبر من الحنكة؟ أو ببعض من التعقل و التفكير؟ لكنَّ هذا السَّيل غير المنقطع من إساءة التقدير و التَّخبُّط هو أمر مذهل! أتحرق شوقا في انتظار اجتماع الجمعية العمومية التّالي يوم 17 مارس الذي أتوقَّع أن يكون محفزِّا كسابقيه في العامين الماضيين و أكثر قليلا.
- بهيّة
EGYPT: Defiant judges charged with ‘defamation’ http://www.alertnet.org/thenews/newsdesk/IRIN/ec64bb0f90acac037b65a88b44ae1cfd.htm.
هذه المقالة نشرت بالإنجليزية بعنوان Honour في موقع بهيَّة Baheyya: Egypt Analysis and Whimsy يوم الأربعاء 22 فبراير 2006، و تُرجمت بتصريح من المؤلفة، و الأصل منها موجود في http://baheyya.blogspot.com/2006/02/honour.html
جميع الحقوق للمقالة الأصلية و للترجمة محفوظة لبهيّة.
بهيّة 2005-2006 by Baheyya©