
و هذا ما كان. آخر و أهمُّ انتخابات هذا العام جلبت نتائج دراميّة. ففي يوم الجمعة أعاد القضاة تثبيت القائمة الحديديّة للرئيس الحالي زكريّا عبد العزيز الملقَّبة هكذا بسبب الموقف الصُّلب للمدرجين فيها في المطالبة باستقلال القضاء..
من 4,652 صوتا صحيحا حاز زكريّا عبد العزيز 3,680 بينما حاز عادل الشوربجي الموالي للنظام على كمٍّ ليس بالمهمَل مقداره 930 صوتا، و حاز مرشَّح اللحظة الأخيرة غير المعروف إيهاب عبد المطلب 89 صوتا.
كم أسعدني اكتشافي خطأ ظني السابق أن النّاخبين القضاة يعيدون النَّظر في نشاط زكريّا عبد العزيز. فعلى العكس أظهرت النتائج تعبئة مكثَّفة و إرادة قضائية غير متذبذبة، متأهِّبة لفصل جديد من التّفاوض الصَّعب مع النِّظام.
لا تزال الاعتداءات الجسدية على القضاة إبان الانتخابات التشريعيّة ماثلة في عقول الجميع. لكن دعونا لا نُقلِّل من أهمية الأقليّة المعارضة بقيادة الشوربجي؛ فهم بارعون و لهم صلات قويّة بالقُوى القائمة، و سوف يحيون لجولة أخرى. و مع هذا لا يمكنني مقاومة تقديم تعازيَّ لأزلام النظام المنكسرين: مهمَّتكم ازدادت صعوبةً الآن أيها السادة. يا حرام.
ما يستحقُّ الإشادة أكثر حتى من إقرار القضاة الصَّريح لزكريّا عبد العزيز و رفاقه هو المتابعة الشّاخصة التي حظيت بِها هذه الانتخابات و الاحتفاء الواجد بنتائجها. "مبروك!" كانت الصَّيحة على شفاه الجميع (أشكركم على الرسائل الكثيرة، أنا فرحة أيضا). فكأنما علَّق قطاع عريض من الشَّعب آماله في الحرِّيَّة و العدل على هذه الانتخابات غير النَّمطية لهؤلاء الناخبين غير العاديِّين؛ هذه بلا شكٍّ واحدة من أكثر نتائج تصويت نادي القضاة إثارة للفكر و أكثرها دواما. فكما هو واضح، حاز التَّيّار الإصلاحيُّ ما هو أكثر من ثقة أقران أفراده، فقد ضمن الاهتمامَ الدَّائم من الشَّعب و حظي بتقديره؛ الشَّعب الذي أصبحت أسماء مثل زكريا عبد العزيز و هشام جنينة و أحمد صابر و محمود مكي تبعث فيه الكبرياء و الشَّجاعة و الثَّبات على النِّضال.
لطالما حظي القضاة في هذا البلد بإجلال كبير، لكنه كان دائما مقترنا بالتَّباعد. كانت الكاريزما و الحظوة الشَّعبية في هذا المجال مرفوضة و مكروهة صراحة؛ لكن الآن، القضاة هم في صلب المجال العام و لن يكون مبالغةً الدَّفع بأن قِلَّة تُعَدُّ على اليد قد نالت مكانة الشخصيات العامة المحبوبة المحاطة بِهالة خاصَّة، و هو ما يقلق العديدين لأسباب وجيهة. فماذا يعني تولي القضاة زمام القيادة الشَّعبيِّة التي تولاها تقليديا السياسيون و المدَّعون؟ لماذا لم يحُز أيٌّ من المرشَّحين البرلمانيين "النَّظيفين" لُبَّ الجماهير بالكيفيَّة التي حازها القضاة؟ كيف سيستجيب النِّظام لآخر دفعة من المثبِّطات التي تواجهه؟ كيف سيحافظ زكريّا عبد العزيز و رفاقه على الزَّخم الدّافع في اتجاه قانون جديد للسُّلطة القضائيَّة و في نفس الوقت يدفع عنه الاختراقات و الإحباط و التقوُّض من الدّاخل؟ يستمد القضاة قوتَهم من المعرفة القانونيَّة المتخصِّصة و العدل و حماية ما تبَّقى من الصّالح العامِّ. الكيفية التي ستؤثر بِها وعورة و مطبّات السِّياسة على إرثهم الاجتماعيِّ الثَّمين الذي تراكم بكَدٍّ على مرِّ عقود من الخدمة المهنيِّة المثابرة و العمل الجمعيِّ سيكون مما يهمُّنا متابعته.
لكن دعوني لا أُعقِّد الاحتفالية بكثير من الأسئلة اللّحوحة. فهذا وقت للاحتفال. أنا حتى هاشرب شربات
- بهيّة
هذه المقالة نشرت بالإنجليزية بعنوان Mandate في موقع بهيَّة Baheyya: Egypt Analysis and Whimsy يوم الثلاثاء 20 ديسمبر 2005، و تُرجمت بتصريح من المؤلفة، و الأصل منها موجود في http://baheyya.blogspot.com/2005/12/mandate.html
جميع الحقوق للمقالة الأصلية و للترجمة محفوظة لبهيّة.
بهيّة 2005-2006 by Baheyya©