

كان منظرا مهيبا؛ إذ حضر قضاةُ مصر من كل أنحاء البلاد يوم الجمعة ليقفوا صامتين في ناديهم العريق، مواصلين نضالهم من أجل قانون جديد يكفل استقلال القضاء. وقف القضاة لما يقرب السَّاعة إلا قليلا، مُتَّشحين بأوشحتهم الحُمرِ و الخُضرِ الزُغْبِ، تحوطهم تكّات الكاميرات و أزيزها و يضيء المشهد نور شمس ربيعية بديع.
امتنع المتظاهرون المؤيدون للديمقراطية عن الهتاف و النِّداء بالشِّعارات احتراما لرغبة القضاة في وقفة صامتة. في يوم الجمعة ذاك، خَلا شارع شامبوليون الذي عادة ما يصخب و يفور، و خيَّم عليه صمت مجفل ملحٌّ، يُبرزه حفيف الأوراق على الشُّهود من الشَّجر.مرَّة أخرى يبهرني إباء و ثبات قضاة مصر.


ترجع مشاركة هذا العدد الكبير من القضاة بشكل ما إلى الغضب الذي سبَّبه تشكيك مجلس القضاء الأعلى في قضاة إصلاحيين بارزين و معروفين مثل يحيى جلال و ناجي دربالة و عاصم عبد الجبَّار (الثلاثة في وسط الصورة إلى اليسار، من اليمين إلى اليسار). في الجمعية العمومية الطارئة التي تلت الوقفة الصّامتة كرَّم نّادي القضاة الثَّلاثةَ و مُستشارين مستهدفين آخرين، و تلَّقى دربالة ذو الشَّعبية الطَّاغية تصفيقا حماسيّا طويلا، فلقد زاد من دراميَّة قصَّته أن ابنه قد حِيل بينه و بين التَّعيين في النِّيابة، على الأرجح بسبب موقف دربالة الصامد في مواجهة كل الضغوط.
قبل الوقفة الصّامتة نظَّمت حركة كفاية و حزب الغد و الحرِّية الآن و المجموعات المتحالفة معهم مسيرة تضامن مع القضاة قادها الكمالان اللذان لا يكِّلان و لا يحاكَيان: خليل و أبوعيطة.
و فيما أظنُّها المرَّة الأولى في تاريخ مصر، رفع المتظاهرون لافتات ضخمة عليها صُوَر للبارزِين من القضاة الإصلاحيِّين مثل زكريا عبد العزيز و محمود الخضيري و هشام البسطويسي و أحمد صابر و حسام الغرياني، صمَّمها الشَّباب المتَّقد الذين نظَّموا اعتصام ليلة الخميس في ميدان التَّحرير لمساندة القُضاة و الصَّحفيِّين، ثم توقِّف المتظاهرون أمام نادي القضاة حيث تداعى مشهد مثير و مؤثِّر بشكل غريب.

فعندما بدأ المتظاهرون يهتفون باسم رئيس نادي القضاة، زكريّا عبد العزيز (في وسط الصورة إلى اليمين)، الذي وقف صامتا على عتبات النادي يحيط به زملاؤه في عرفان لموقف المتظاهرين الصادق؛ صاح متظاهرٌ متأجِّجٌ مخاطبا زكريّا عبد العزيز بصوت رهيب في مواجهة تحوم على أعتاب الغضب قائلا: اثبت!…الضغوط عليك هتكون شديدة…اثبت!
عندما انتُخب زكريّا عبد العزيز - الذي كان مغمورا وقتذاك – رئيسًا لنادي القضاة في 2001 لم يكن أحد يتصوَّر أنه بعد خمس سنوات من ذلك الوقت سيصبح نارا على علم. و بالتَّأكيد لم يكن أحد ليتصوَّر أنه و زملاؤه الشُّجعان سيتحولون إلى أقوى رمز لطموح الشَّعب المصري للتغيير السِّياسيِّ، و مَعينًا للأمل و الإلهام، و للعزَّة. مواطن عاديٌّ ممن جاءوا ليشهدوا وقفة القضاة قال أنا هنا لأني عايز التغيير في الدولة دي
.ربما كان من المستكثر أن نطلب كل هذا من قضاة يعملون تحت ظروف مجحفة، لكن غالبية الرِّجال في القضاء المصريِّ لا تبدو عليهم بوادر التراجع. و بينما كان القضاة يُنهون وقفتهم متَّجهين إلى الجمعيّة العموميّة لوَّح مستشارنا المحترم حسام الغرياني1 بشارة النَّصر التي تلقّاها بالتَّصفيق و البِشر المتظاهرون و المارَّة الذين توقَّفوا للمشاهدة.

دائما ما كان شهر مارس موسما خصبا في الحوليّات المصريّة. و كما في 2005 فإنَّ ربيع هذا العام يَعِدُ بتطوُّرات جديدة و غير متوقَّعة. في نِهاية جمعيتهم قرَّر القضاة أنَّهم سيقفون مرَّة أخرى يوم 25 مايو؛ هذه المرَّة داخل دار القضاء العالي كما نووا هذه الجمعة قبل أن تغلق السُّلطات مبنى مجمَّع المحاكم.لا حقوق بلا تضحيات!
، هكذا زأر أحد القضاة في اجتماع الجمعيّة العموميّة.
و تستمر الملحمة.
- بهيّة
هذه المقالة نشرت بالإنجليزية بعنوان Spring في موقع بهيَّة Baheyya: Egypt Analysis and Whimsy يوم السبت 81 مارس 2006، و تُرجمت بتصريح من المؤلفة، و الأصل منها موجود في http://baheyya.blogspot.com/2006/03/spring.html
جميع الحقوق للمقالة الأصلية و للترجمة محفوظة لبهيّة.
بهيّة 2005-2006 by Baheyya©